الشيخ أحمد بن محمد القسطلانى
607
المواهب اللدنية بالمنح المحمدية
بل قد روى عن الضحاك أنها نزلت حين انهزم المشركون يوم بدر واشتغل الناس بالسلب وجمع الغنائم عن القتال حتى خشي عمر أن يعطف عليهم العدو . ثم قال تعالى : لَوْ لا كِتابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ « 1 » فاختلف المفسرون في معنى هذه الآية : فقيل معناها لولا أنه سبق منى أن لا أعذب أحدا إلا بعد النهى لعذبتكم ، فهذا ينفى أن يكون أمر الأسرى معصية . وقيل : لولا إيمانكم بالقرآن ، وهو الكتاب السابق ، فاستوجبتم به الصفح لعقوبتم على الغنائم . وقيل : لولا أنه سبق في اللوح المحفوظ أنها حلال لكم لعقوبتم . وهذا كله ينفى الذنب والمعصية ، لأن من فعل ما أحل له لم يعص ، قال اللّه تعالى : فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلالًا طَيِّباً « 2 » . وقيل : بل كان - صلى اللّه عليه وسلم - قد خير في ذلك ، وقد روى عن علي قال : جاء جبريل - عليه السّلام - إلى رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - يوم بدر فقال : « خير أصحابك في الأسارى إن شاءوا القتل وإن شاءوا الفداء على أن يقتل منهم في العام المقبل مثلهم فقالوا الفداء ويقتل منا » « 3 » وهذا دليل على أنهم لم يفعلوا إلا ما أذن لهم فيه . لكن بعضهم مال إلى أضعف الوجهين مما كان الأصلح غيره من الإثخان والقتل فعوتبوا على ذلك وبين لهم ضعف اختيارهم وتصويب اختيار غيرهم ، وكلهم غير عصاة ولا مذنبين . قال القاضي بكر بن العلاء : أخبر اللّه تعالى نبيه - صلى اللّه عليه وسلم - في هذه الآية أن تأويله وافق ما كتب له من إحلال الغنائم والفداء ، وقد كان قبل هذا فادى في سرية عبد اللّه بن جحش التي قتل فيها ابن الحضرمي بالحكم بن كيسان
--> ( 1 ) سورة الأنفال : 68 . ( 2 ) سورة الأنفال : 69 . ( 3 ) صحيح : أخرجه الترمذي ( 1567 ) في السير ، باب : ما جاء في قتل الأسارى والفداء ، وابن حبان في « صحيحه » ( 4795 ) ، من حديث على - رضى اللّه عنه - ، والحديث صححه الشيخ الألبانى في « صحيح سنن الترمذي » .